مراكش: الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تنتقد تدبير مشروع “الريادة” وتحذر من هدر المال العام
أعرب المكتب الجهوي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بجهة مراكش آسفي عن قلقه مما وصفه بـ”الاختلالات البنيوية العميقة” التي تعرفها المنظومة التربوية، منتقدا طريقة تنزيل مشروع “مؤسسات الريادة”، ومعتبرا أن حجم الاعتمادات المالية المرصودة لإصلاح التعليم لا ينعكس على تحسين جودة التعلمات أو ظروف التمدرس، في ظل ما اعتبره غيابا للحكامة والشفافية واستمرارا لنهج التدبير الارتجالي.
وأوضح المكتب الجهوي في بيان توصلت “الخبر المغاربي” بنسخة منه، أن الدولة المغربية أقدمت، ممثلة في وزارة الاقتصاد والمالية، على اقتراض 750 مليون دولار من البنك الدولي لدعم إصلاح التعليم وتنزيل خارطة الطريق 2022-2026، بالتوازي مع تخصيص ميزانية تناهز 117 مليار درهم لقطاع التربية الوطنية برسم سنتي 2025 و2026، من بينها نحو 20 مليار درهم للاستثمار في البنيات والتجهيزات، بما في ذلك مشروع “مؤسسات الريادة”. غير أن الجمعية ترى أن هذه الاعتمادات لم تترجم إلى نتائج ملموسة على مستوى تحسين شروط التمدرس أو جودة التعلمات.
وأشار البيان إلى أن تقارير رسمية، من بينها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، سجلت اختلالات في تنفيذ عدد من الصفقات المتعلقة بالبنيات والتجهيزات، حيث لم تتجاوز نسبة الإنجاز في بعضها 60 في المائة من الأهداف المعلنة، إلى جانب رصد اختلالات مرتبطة بالتجهيز الرقمي والتغذية المدرسية وعدم احترام دفاتر التحملات والمواصفات التقنية.
كما أثارت الجمعية تساؤلات بشأن تخصيص 3.5 مليارات درهم لفائدة مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين، معتبرة أن توجيه جزء من هذه الاعتمادات إلى برامج وصفقات مرتبطة بالوزارة يطرح إشكالات تتعلق باستقلالية المؤسسة وبمدى احترام الغاية الاجتماعية التي أحدثت من أجلها، والمتمثلة في تحسين أوضاع نساء ورجال التعليم.
وعلى المستوى التربوي، اعتبرت الجمعية أن المعطيات الرسمية تكشف استمرار أزمة التعلمات والهدر المدرسي، مشيرة إلى أن نسبة الهدر بلغت، بحسب البيان، حوالي 5.3 في المائة في التعليم الابتدائي و12 في المائة في التعليم الإعدادي خلال الموسم الدراسي 2025-2026، فيما تجاوزت نسب التكرار 15 في المائة بعدد من المؤسسات الإعدادية. وأضافت أن تقارير وطنية ودولية تفيد بأن نحو 60 في المائة من الأطفال المغاربة في سن العاشرة لا يستطيعون قراءة نص بسيط وفهمه، معتبرة أن هذه المؤشرات تعكس استمرار أزمة المنظومة التعليمية رغم المشاريع الإصلاحية المعلنة.
وسجل المكتب الجهوي، استنادا إلى معطيات ميدانية، ما وصفه باختلالات خطيرة في تنظيم التكوينات الخاصة بمشروع “الريادة”، موضحا أن عددا من الأستاذات والأساتذة، خصوصا بإقليم الرحامنة، يضطرون إلى قطع مسافات تتجاوز 80 كيلومترا للوصول إلى مركز التكوين الوحيد بالإقليم، فيما يتم، بمدينة مراكش، تنظيم تكوينات داخل مؤسسات تعليمية خصوصية تبعد بأكثر من 34 كيلومترا عن مقرات عمل عدد من الأطر التربوية.
وأضاف البيان أن هذه التكوينات تنظم في فضاءات غير ملائمة، من بينها قاعات مكتظة وأخرى مخصصة للتعليم الأولي، وفي ظروف تتسم بارتفاع درجات الحرارة، مع غياب مراعاة نتائج الحركات الانتقالية الوطنية والجهوية والمحلية، وهو ما اعتبرته الجمعية مؤشرا على ضعف التخطيط الإداري.
كما انتقدت الجمعية تعدد التكليفات التي تفرض على الأطر التربوية والإدارية خلال الفترة نفسها، حيث يتم، وفق البيان، تكليف بعض الأساتذة بالحراسة في الامتحانات الإشهادية، ثم المشاركة في التكوين، فالالتحاق بمراكز التصحيح، في الوقت الذي تم فيه، بحسب الجمعية، تكليف بعض رؤساء مراكز الامتحانات برئاسة مراكز التصحيح في اليوم نفسه، الأمر الذي اعتبرته دليلا على غياب التنسيق والتدبير الرشيد.
وتحدث البيان أيضا عن اختلالات خلال الامتحانات الجهوية للسنة الثالثة إعدادي، بسبب ما وصفه بعدم التمييز بين تلاميذ مشروع الريادة وتلاميذ المسار الدولي، وما ترتب عن ذلك من ارتباك تنظيمي ومساس بمبدأ تكافؤ الفرص.
وفي جانب البنيات التحتية، قالت الجمعية إنها وقفت على اعتماد مؤسسات تعليمية ضمن مشروع “الريادة” رغم افتقارها إلى الحد الأدنى من الشروط الأساسية، مشيرة إلى وجود مؤسسات ما تزال تضم أقساما من البناء المفكك، أو تعاني من غياب مرافق صحية لائقة، أو تفتقر إلى الماء والكهرباء والربط بالأنترنت، معتبرة أن ذلك يتنافى مع الأهداف المعلنة للمشروع.
وأكد البيان أن هذه الاختلالات رُصدت بعدد من أقاليم جهة مراكش آسفي، من بينها مراكش والرحامنة وقلعة السراغنة وشيشاوة وآسفي واليوسفية، حيث تتكرر، وفق الجمعية، مشاكل بعد مراكز التكوين، وضعف التجهيزات، وغياب الربط الرقمي، وتعدد التكليفات، إضافة إلى تسجيل حالات تم فيها إلزام تلاميذ وأطر تربوية بالبقاء داخل المؤسسات إلى ساعات متأخرة من يوم الأحد في إطار ما يسمى بـ”الدعم الممتد”، في ظروف قالت إنها لا تراعي شروط السلامة أو الحق في الراحة.
واعتبرت الجمعية أن ما يجري في قطاع التعليم يرتبط بخيارات سياسية واقتصادية تجعل السياسات التعليمية خاضعة لإملاءات المانحين الدوليين ومنطق السوق، بدل اعتبار التعليم حقا أساسيا وخدمة عمومية، كما انتقدت ما وصفته بالبيروقراطية البيداغوجية التي أفرزها مشروع “الريادة”، من خلال الإغراق في الوثائق والمؤشرات الشكلية على حساب الفعل التربوي.
وأكدت الجمعية أن هذه الممارسات تتعارض مع مقتضيات الفصل 31 من الدستور، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والقانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، إضافة إلى القواعد المؤطرة للصفقات العمومية.
وفي ختام بيانها، أدانت الجمعية ما وصفته بالاختلالات التدبيرية والمالية التي تطبع مشروع “مؤسسات الريادة”، مطالبة بفتح تحقيق إداري ومالي مستقل وشفاف في مختلف الصفقات المرتبطة بالمشروع، خاصة تلك المتعلقة بالبنيات والتجهيزات والتغذية والرقمنة والتكوين، مع ترتيب المسؤوليات وربطها بالمحاسبة.
كما دعت إلى توفير مراكز تكوين عمومية مجهزة وقريبة من مقرات العمل، ووقف تعدد التكليفات التي تثقل كاهل الأطر التربوية والإدارية، وتأهيل البنيات التحتية للمؤسسات التعليمية، وضمان توفير شروطها الأساسية، مؤكدة استمرارها في تتبع هذا الملف وخوض مختلف الأشكال الحقوقية والنضالية المشروعة دفاعا عن الحق في تعليم عمومي جيد ومجاني ومنصف، وعن حقوق نساء ورجال التعليم وحماية المال العام.