اليمين الشعبوي الألماني.. من كونية حقوق الإنسان إلى النقاء الآري

حزب البديل من أجل ألمانيا Alternative für Deutschland (AFD) نموذجا.

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تشهد السياسات الألمانية في مجال الهجرة واللجوء تحولات مقلقة، لا سيما مع تصاعد الدعوات إلى تشديد إجراءات الترحيل، بما في ذلك في صفوف القاصرين غير المصحوبين بذويهم. فهذه الفئة، التي يفترض أن تحظى بحماية خاصة بموجب اتفاقية حقوق الطفل، أصبحت عرضة لإجراءات تمس بحقوقها الأساسية، في تعارض واضح مع مبدأ مصلحة الطفل الفضلى. إن ترحيل القاصرين أو التهديد به لا يمثل فقط إخلالًا بالالتزامات القانونية الدولية، بل يعكس أيضًا تحولًا نحو مقاربة أمنية ضيقة تتجاهل الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للهجرة.

في هذا السياق، تبرز قضية الهجرة كموضوع مركزي في النقاش السياسي الألماني، خاصة مع صعود حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي نجح عبر خطاب أمني وهوياتي في فرض رؤية متشددة تجاه اللجوء والهجرة، مما يثير مخاوف عميقة من منظور حقوقي.

سياق دولي: تقاطعات مع “الترامبية”.
تتقاطع مواقف حزب البديل من أجل ألمانيا مع توجهات دونالد ترامب في عدد من القضايا الدولية، بما في ذلك الحرب على أوكرانيا والتوترات مع إيران، حيث يشترك الطرفان في رفض التدخلات العسكرية الخارجية، والتشكيك في دور حلف شمال الأطلسي، والدعوة إلى تغليب المصلحة الوطنية على الالتزامات الدولية، إضافة إلى التحفظ على حجم الدعم المقدم لأوكرانيا والدفع نحو تسويات تفاوضية. غير أن هذا التقارب لا يعني تطابقاً كاملاً، إذ يظهر الحزب الألماني موقفاً أكثر وضوحاً في الدعوة إلى التقارب مع روسيا ورفض العقوبات عليها في سياق الحرب الأوكرانية، بينما يتبنى ترامب مقاربة أكثر براغماتية وأقل ثباتاً. كما يبرز اختلاف مهم في ملف إيران، حيث يميل الحزب إلى رفض أي حرب أو تصعيد عسكري، في حين أبدى ترامب خلال رئاسته توجهاً أكثر تشدداً تجاه طهران. وعليه، يمكن اعتبار مواقف الحزب قريبة من “الترامبية” في بعدها الشعبوي والسيادي، لكنها تظل متميزة بخصوصية ألمانية تعكس موقعه كحزب معارض ورؤيته لدور بلاده في النظام الدولي.

توظيف الخوف كأداة سياسية
منذ تأسيسه، بنى حزب البديل من أجل ألمانيا جزءًا كبيرًا من نجاحه الانتخابي على تعبئة المخاوف الاجتماعية، من خلال الربط بين الهجرة وانعدام الأمن. وفي هذا الإطار، يتم تضخيم أحداث معزولة لتغذية خطاب تعميمي يصوّر المهاجرين كتهديد بنيوي للمجتمع الألماني.

تعتمد هذه الاستراتيجية بشكل كبير على الاستخدام الانتقائي للإحصائيات الجنائية. فمن خلال إبراز أنواع معينة من الجرائم، مثل حوادث العنف المرتبطة باستخدام السكاكين، والتركيز على جنسية المشتبه بهم، يساهم خطاب الحزب في خلق علاقة مضللة بين الهجرة والجريمة. غير أن هذه المعطيات تحتاج إلى قراءة سياقية، حيث تلعب عوامل مثل الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي دورًا حاسمًا في تفسير العنف، أكثر بكثير من الأصل أو الجنسية.

سياسة لجوء متشددة ومقاربات إقصائية
موقف حزب البديل من أجل ألمانيا من الهجرة يُعد من أكثر مواقفه تشدداً، خاصة تجاه اللاجئين من سوريا وإيران، حيث يركز الخطاب على تقييد اللجوء أكثر من التمييز بين الجنسيات. ويرى الحزب أن موجة اللجوء التي أعقبت الحرب الأهلية السورية شكلت عبئاً على ألمانيا، ويدعو إلى تشديد القوانين وتسريع الترحيل، وإنهاء ما يُعرف بسياسة “الحدود المفتوحة” المرتبطة بعهد أنغيلا ميركل.

بالنسبة للسوريين، يطرح الحزب إمكانية عودة جزء منهم في حال تحسن الوضع الأمني، وهو طرح مثير للجدل. أما الإيرانيون، فيندرج موقفه منهم ضمن خطاب أوسع ينتقد الهجرة من دول ذات أغلبية مسلمة ويركز على إشكالات الاندماج والهوية.

ولا يختلف موقف الحزب تجاه مهاجري شمال إفريقيا، بمن فيهم القادمون من المغرب، إذ يدعو إلى تقليص فرص اللجوء وتسريع الترحيل، ويدعم تصنيف هذه الدول كـ“دول آمنة”، بما يسهل رفض طلبات اللجوء. غير أن هذا التصنيف يظل محل جدل حقوقي، بالنظر إلى ما قد يغفله من أوضاع فردية أو اجتماعية معقدة.

سياسات تتعارض مع الحقوق الأساسية
تندرج مقترحات الحزب ضمن منطق الإغلاق: تشديد مراقبة الحدود، تقليص الحق في اللجوء، وتسريع الترحيل، بما يثير إشكالات قانونية تتعلق باحترام اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين، خاصة مبدأ عدم الإعادة القسرية.

كما تميل هذه المقاربات إلى تجريم فئات هشة وتصويرها كتهديد أمني، مما يساهم في ترسيخ ممارسات تمييزية قائمة على الأصل أو الدين أو الوضع القانوني.

الدعم لإسرائيل وإشكالات الحريات
في سياق موازٍ، يثير الدعم الألماني لـ إسرائيل، خاصة خلال الحرب على قطاع غزة، انتقادات حقوقية متزايدة، خصوصاً مع ما رافقها من اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة. وقد برزت داخل حزب البديل من أجل ألمانيا مواقف مؤيدة لتشديد القيود على التظاهرات المناهضة لهذه الحرب.

وقد أدى ذلك في بعض الحالات إلى تقييد أو قمع احتجاجات سلمية بدعوى الحفاظ على النظام العام أو مكافحة “معاداة السامية”، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول احترام حرية التعبير والتجمع السلمي، وخطورة الخلط بين النقد السياسي وخطاب الكراهية.

تطبيع خطاب التمييز

من أخطر تداعيات صعود هذا الحزب انتشار خطابه داخل النقاش العمومي، بل وتسرب بعض مفاهيمه إلى أحزاب تقليدية، مما يساهم في تطبيع خطاب كان يُعتبر سابقاً هامشياً. وينعكس ذلك سلباً على التماسك الاجتماعي، حيث يتزايد وصم المهاجرين وتصاعد مظاهر العنصرية، خاصة الإسلاموفوبيا.

لماذا تنتشر هذه المواقف؟
لا يمكن فهم صعود هذه التوجهات دون النظر إلى سياق أوسع من الأزمات المتراكمة: تراجع الأمان الاقتصادي منذ أزمة 2008، تداعيات جائحة كورونا، وأزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. هذه الأوضاع خلقت أرضية خصبة لخطابات تبسيطية تربط الأزمات بعوامل مثل الهجرة.

كما أن موجات اللجوء، خاصة بعد الحرب الأهلية السورية، جعلت الهجرة موضوعاً مركزياً في الصراع السياسي. ويُضاف إلى ذلك تراجع الثقة في النخب، والتحولات الثقافية المرتبطة بالهوية، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم الخطابات الشعبوية.
نحو مقاربة حقوقية للهجرة.

في مواجهة هذه التحولات، تبرز الحاجة إلى تبني مقاربة قائمة على حقوق الإنسان، تضع الكرامة الإنسانية في صلب السياسات العمومية، وتضمن الحق في اللجوء، وتحارب التمييز، وتعالج الأسباب البنيوية للإقصاء.

في المحصلة، فإن السياسات التي يدافع عنها حزب البديل من أجل ألمانيا تعكس توجهاً متشدداً يطرح تعارضاً واضحاً مع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان، مما يستدعي يقظة مستمرة من المجتمع المدني والمؤسسات من أجل حماية قيم العدالة والمساواة والكرامة.

مصطفى الفاز
فاعل حقوقي

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.